العلامة الأميني
295
النبي الأعظم من كتاب الغدير
لماذا يرى أبو ذر بناء معاوية الخضراء في دمشق فيقول : « يا معاوية ! إن كانت هذه الدار من مال اللّه فهي الخيانة ، وإن كانت من مالك فهذا الإسراف » ؛ فسكت معاوية . ويقول أبو ذر : « واللّه لقد حدثت أعمال ما أعرفها ، واللّه ما هي في كتاب اللّه ولا سنّة نبيّه ، واللّه إنّي لأرى حقّا يطفأ ، وباطلا يحيى ، وصادقا يكذّب ، وأثرة بغير تقى ، وصالحا مستأثرا عليه » « 1 » . ويرى بناء المقداد داره بالمدينة بالجرف وقد جعلها مجصّصة الظاهر والباطن كما في مروج الذهب « 2 » ؛ فلا ينكره عليه ولا ينهاه عنه ولا ينبس ببنت شفة ؛ وليس ذلك إلّا لما كان يراه من الفرق الواضح بين المالين والبناءين وصاحبيهما . وأمّا وجوب إنفاق المال الزائد على القوت كلّه الّذي عزاه إلى سيّدنا أبي ذر المختلقون ، فمن أفاكئهم المفتريات ، لم يدّعه أبو ذر ولا دعا إليه ؛ وكيف يكون ذلك وأبو ذر يعي من شريعة الحقّ وجوب الزكاة ؟ ! وهل يمكن ذلك إلّا بعد اليسار والوفر الزائد على المؤن ؟ ! واللّه سبحانه يقول : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ « 3 » . وفي تنكير الصدقة و « من » التبعيض دلالة على أنّ المأخوذ بعض المال لا كلّه . على أنّ النصب الزكويّة المضروبة في النقدين والأنعام والغلّات كلّها نصوص على أنّ الباقي من المال مباح لأربابه . ولأبي ذر نفسه في آداب الزكاة أحاديث أخرجها البخاري ومسلم وغيرهما من رجال الصحاح وأحمد والبيهقي وغيرهم . فلو كان يجب إنفاق بعد إخراج الزكاة فما معنى التحديد بالنصب والإخراج منها ؟ ! وهذا معنى واضح لا يخفى على كلّ مسلم ، فضلا عن مثل أبي ذر الّذي هو وعاء العلم والمحيط بالسنّة الشريفة .
--> ( 1 ) - راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد [ 8 / 255 ، خطبة 130 ] . ( 2 ) - مروج الذهب 1 : 434 [ 2 / 351 ] . ( 3 ) - التوبة : 103 .